عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
320
اللباب في علوم الكتاب
وعن الثاني : أن المراد من لفظ الجمع : كل من تأذّى بذلك الكذب ، ومعلوم أنه - صلّى اللّه عليه وسلّم - تأذّى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به « 1 » . فإن قيل : فمن أي جهة يصير خيرا لهم مع أنه مضرّة ؟ فالجواب : لوجوه : أحدها : أنهم صبروا على ذلك الغم طلبا لمرضاة اللّه فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين . وثانيها : لولا إظهارهم الإفك كان يجوز أن يبقى الهمّ كامن في صدور البعض ، وعند الإظهار انكشف كذب القوم . وثالثها : صار خيرا لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثماني عشرة آية ، كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة ، وشهد اللّه بكذب القاذفين ، ونسبهم إلى الإفك ، وأوجب عليهم اللعن والذم ، وهذا غاية الشرف والفضل . ورابعها : صيرورتها بحال تعلق الكفر بقذفها ، فإن اللّه لما نص على كون تلك الواقعة إفكا وبالغ في شرحه ، فكل من شك فيه كان كافرا قطعا ، وهذه درجة عالية « 2 » . وقال بعضهم : قوله تعالى : « لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ » خطاب مع القاذفين وجعل اللّه خيرا لهم من « 3 » حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة ، ومن حيث تاب بعضهم عنده . وهذا القول ضعيف ، لأنه تعالى خاطبهم بالكاف ، ولما وصف أهل الإفك خاطبهم بالهاء بقوله : « لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ » ، ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة ، فالمراد : لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا ، والمعنى : أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض « 4 » . قوله : « وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ » . أي : الذي قام بإشاعة هذا الحديث وهو عبد اللّه بن ( أبيّ ابن ) « 5 » سلول . والعذاب العظيم هو النار في الآخرة . روي عن عائشة في حديث الإفك قالت : ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين ، وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس ، فقال عبد اللّه بن أبي رئيسهم : من هذه ؟ قالوا : عائشة . قال : واللّه ما نجت منه ولا نجا منها ، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ، ثم جاء يقودها . وشرع في ذلك أيضا حسان بن ثابت ، ومسطح ، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبيد اللّه ، فهم الذين تولوا « 6 » كبره . والأقرب أنه عبد اللّه بن أبيّ ، فإنه كان منافقا يطلب ما يقدح في ( الرسول ) « 7 » « 8 » .
--> ( 1 ) المرجع السابق . ( 2 ) انظر الفخر الرازي 23 / 174 - 175 . ( 3 ) من : سقط من ب . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 175 . ( 5 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 6 ) في الأصل : توا . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 175 . ( 8 ) ما بين القوسين في ب : رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - .